عبد الملك الخركوشي النيسابوري

362

مناحل الشفا ومناهل الصفا بتحقيق كتاب شرف المصطفى ( ص )

فإذا هو بشيخ من شيوخ المسلمين قد يبس جلده على عظمه عاريا ما يستتر إلّا بنعليه وهو ينادي : من كساني كساه اللّه من خضر الجنة . فلما رآه لم يتمالك صلى اللّه عليه وسلم أن ألقى الثوب عليه ، ثم أقبل إلى السوق وهو يبادر الليل ، فاشترى قميصا بدرهمين فلبسه ، وأقبل فإذا هو بالجارية حيث تركها تبكي ، فقال لها : ما شأنك ؟ ألم أكن أعطيتك درهمين ؟ فقالت : بلى بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه ، اشتريت ما احتيج إليه ولكن طالت غيبتي عن أهلي فأشفقت من عقوبتهم ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : ألحقيني بأهلك ، واتبعها حتى انتهى إلى دار من دور الأنصار ، فإذا رجالهم خلوف ليس فيها إلّا النساء ، فسلم عليهن وقال : السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته ، فسمع النساء صوته فعرفنه فلم يجبنه ، ثم ثنى مثلها فلم يجبنه ، ثم سلّم الثالثة ورفع بها صوته فقلن بأجمعهن : وعليك السلام ورحمة اللّه وبركاته بآبائنا وأمهاتنا أنت يا رسول اللّه ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : أما سمعتن ابتداء سلامي ؟ قلن : بلى ، ولكن أحببنا أن نكثر لأنفسنا وذرارينا من تسليمك ، قال : إن جاريتكم هذه أبطأت عليكم فخشيت عقوبتكم ، فهبوا لي عقوبتها ، فقلن جميعا : قد شفعناك بآبائنا وأمهاتنا أنت ، شفعناك فيها ، ووهبنا عقوبتها لك ، وأعتقناها لممشاك ، فهي حرة لوجه اللّه تعالى . قال : فانصرف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو يقول : ما رأيت ثمانية دراهم أعظم بركة من هذه الثمانية : آمن بها خائفا ، وأعتق بها نسمة ، وكسى بها عاريين - يعني نفسه والشيخ - .